خطبة الجمعة بداية شعبان تحذيرٌ من مجالس السّوء ومواطن الغفلة
يسرنا بزيارتكم في صفحة موقع(( منبر الجواب ))المنصة الإسلامية أن نطرح لكم كل أسبوع خطبة خطب منبرية جاهزة مكتوبة ومشكولة ومقترحة ل الخطباء كما نقدم لكم خطبة مختصرة بعنوان :-تحذيرٌ من مجالس السّوء ومواطن الغفلة
وتكون الإجابة الصحيحة هي كالتالي :
خطبة الجمعة بعنوان:
"مع مُفتتح شهر شعبان:
تحذيرٌ من مجالس السّوء ومواطن الغفلة"
بعد حمد الله، والثّناء عليه، والصّلاة والسّلام على نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم-، والأمر بالبرّ والتّقوى..**
**أيّها المباركون: إنّ النّاظر في حالِ مجالسِ النّاسِ اليومَ، وما يحدُثُ فيها من غِيبةٍ ونمِيمَةٍ ونهشٍ للأعراض وتفكّهٍ بلحوم الخلق، وما يقعُ فيها من اعتداءٍ لفظيٍّ وانتقاصٍ وازدراءٍ واحتقارٍ واستهزاءٍ بالنّاس، وما تحوِيهِ من مُهاتراتٍ ومُماراةٍ وجدالٍ، وما تُعمَرُ به من مُجاملاتٍ ومُداهناتٍ باطلةٍ، إنّ النّاظِرَ في كلّ ذلك يُدركُ ويعلمُ علم اليقين بأنّ مثلَ هذه المَجالِس هي السّببُ الأوّلُ من أسباب غفلة القلوبِ وبُعدِهَا عن اللهِ، هذه المجالس هي السّببُ الأوّلُ في قَسوَةِ القلوبِ وعدمِ تأثّرِهَا بكلامِ اللهِ وانتفاعِها بخطبَةِ الجُمُعة، فالكثيرُ من مَجالسِنا لا تكادُ تسلمُ من كلّ ما ذكرنا، بل إنّ في بعضها شيءٌ من الانتقاصِ أو الاستهزاءِ ببعضِ أمورِ الدّينِ -والعياذُ بالله-، وذلك كلّه أمرٌ خطيرٌ جداً مؤذنٌ بقوبة وسخط من الله، هو أمرٌ لا تُحمَدُ عواقبُهُ الدّنيويّة والأخرويّة.**
**وواللهِ إنّ مثل تلك المجالس لَهِيَ خزيٌ وندامةٌ على صاحبها يوم القيامة، فإن كان نبيّنا -عليه الصّلاة والسّلام- قال: "ما اجتمع قومٌ في مجلسٍ فتفرّقوا ولم يذكروا الله، ويصلُّوا على النّبيّ ﷺ، إلّا كان مَجلسُهُم تِرَةً (أي: حسرة) عليهم يوم القيامة" [أحمد]، هذه مجالس خلت فقط من ذكر الله والصّلاة على رسول الله، وتكونُ حسرة على صاحبها يوم القيامة، فما بالك بتلك المجالس التي ذكرنا؟!. مَا بالُكَ ببعض المجالس التي ربّما تَذكُرُ بعضَ أذكار الخلاء إذا اطّلَعتَ على بعضِ ما فيها؟!.**
**فإيّاكم -أيّها المُباركونَ- من مثل تلكَ المَجالس، فإنّ أثرَهَا على النّفسِ عظيمٌ، لذا قال النّاظم:**
**حذارِ من مَجَالِسِ الأوغادِ**
**فإنّها صخرٌ على الفُؤادِ**
**مجالسٌ جمعَـهَـا الفَـسَــادُ**
**وعمَّها الشّقاقُ والعِنَادُ**
**وفرَّ مِن مَجَالِسِ الفُسّاقِ**
**فإنَّها مَفسَـدَةُ الأخـلاقِ**
**عباد الله: لقد كان سَلَفُنَا -رضوانُ الله عليهم- يُدركونَ خُطورَةَ هكذا مجالس، فكانَ أحدُهُم إذا خـرجَ من بيتِهِ أو دخل قريةً من القُرى يدعو الله -سُبحَانَهُ- أن يُسَخّرَ له الجليسَ الصّالحَ الذي يُذكّرُهُ بالله، فعن علقمة (وهو أحدُ التّابعين) قال: قدمتُ الشّامَ فصلّيتُ ركعتين، ثمّ قلتُ: "اللّهمّ يسّر لي جليساً صالحا"، فأتيتُ قوماً فجلستُ إليهم، فإذا شيخٌ قد جاءَ حتّى جلسَ إلى جنبي، قلتُ: من هذا؟، قالوا: أبُو الدّرداء، فقلتُ: "إنّي دعوتُ اللهَ أن يُيَسّرَ لي جليسًا صالحًا، فيسّرَكَ لي" [البخاري]. وقال حريث بن قبيصة: "قدمتُ المَدينَةَ فقُلتُ: اللّهمّ يسّر لي جليسًا صالحًا، قال: فجلستُ إلى أبي هريرة" [التّرمذي]**
**كانَ لهُم دُعاءٌ يلتَمِسُونَ فيه مِن رَبّهم أن يُيَسّرَ لهم جليسًا صالحًا، جليسًا صَاحِبَ دين، يُذَكِّرُ ويَنصَح، فيكون ذلك المجلسُ الذي يُوَقَّرُ فيه الكبير، ويُرحَمُ فيه الصَّغير، ويُغضُّ فيه من الصّوت، وتُقالُ فيه الكلمةُ الطّيّبة، يكون ذلك المَجلِسُ الذي لا تُفشى فيها الأسرارُ ولا تُنتَهَكُ فيه الحُرُمَاتُ والأستار، ولا يتناجى اثنانِ فيهِ دونَ الثّالث.**
**وهكذا كانت مجالسُ أصحابِ النّبيّ ﷺ، كانت لهم مجالسٌ عامرةٌ بذكرِ الله وطاعتِهِ. كان الواحدُ منهم يقول للآخر ولمن معه: "اجلسُوا بنا نُؤمن ساعة". كانوا يجتمعون فيأمُرون أحدهم أن يقرأ عليهم القرآن، يجتمعُون فيقول عمر: "يا أبا موسى، ذكّرنا ربّنا"، فيقرأُ وهُم يستمعون. كانوا إذا جلسوا يتذاكرون ما بعد الموت وأمرَ الآخرة، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطّلع النّبيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟"، قالوا: "نذكرُ السّاعة"، ثم ذكرَ لهُم علاماتِهَا. [مسلم]**
**كانوا يستعدُّون للفِتَن، فعن أبي سعيدٍ قالَ: خَرَجَ علينا رسولُ الله ﷺ ونحن نتذاكرُ المَسِيحَ الدّجّالَ، فقال: "ألا أخبرُكُم بما هو أخوَفُ عليكم عندي من المَسيح الدّجّال؟!"، قلنا: بلى!، فقال: "الشّركُ الخفيّ: أن يقومَ الرّجلُ يٌصلّي فيزيِّنُ صلاتَهُ لِمَا يرَى مِن نَظَرِ رَجُل" [ابن ماجة].**
**كان جلوسهم للفقه في الأعمال، ومعرفة ما هو الأقربُ إلى الله، فعن عبد الله بن سلام قال: "قعدنا نفرٌ من أصحاب رسول الله ﷺ، فتذاكَرنَا، فقُلنا: لو نعلمُ أيّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله لعَمِلنَاه" [الحاكم في المستدرك]**
**عباد الله: ولا يتوهّمُ أحدٌ أنّ مجالس أولئك الأصحاب كانت خالية من المزاح ومن حديث الدّنيا، بل كانوا يمزحون لكن لا يقولون إلّا صدقا، بل كانت مجالسُهُم تحوي كثيرًا من الشّعـر وتَذاكُرِ أيّامِ العربِ وأمرِ الجاهليّةِ والذّكريات القديمة. روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ مُتحزّقِينَ (أي: مُتقبِّضِينَ) ولا مُتَمَاوِتِين (فيهم حيوية وفيهم نشاط)، وكانُوا يتناشدُون الشّعر في مجالسهم، ويذكُرُونَ أمرَ جاهليّتِهِم"، ثمّ يقول: "فإذا أُرِيدَ أحدٌ منهم على شيءٍ من أمرِ اللهِ (أي معصية) دارَت حمَالِيقُ عينَيهِ كأنّهُ مجنون". لا يرضى الواحدُ منهم بالمُنكر أبدا، ولا يُمكنُ أن يشترك فيه.**
**بذلكَ كانوا أفضل الأصحاب، لمّا كانوا أبَرَّ الخلق قُلُوباً، وأعمقها علماً، وأقلّها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، ونشر الإسلام:**
**أولئك أتباع النبي وحزبه**
**ولولاهُمُ ما كان في الأرض مُسلمُ**
**ولولاهُمُ كادت تميدُ بأهلها**
**ولكن رواسيها وأوتادُها هُمُ**
**ولولاهُمُ كانت ظلاماً بأهلها**
**ولكنّهُم فيها بدورٌ وأنجُمُ**
**نسألُ الله أن يرضى عنهم، وأن يرزُقنا اتّباعَ هديِهِم، وأن يُعِينَنا على ذِكرِهِ وشُكرِهِ وحُسنِ عِبَادَتِه. أقولُ ما سمعتُم، وأستغفر الله لي ولكم...**
** **//****
**الحمد لله..**
**عباد الله: هكذا كان حالُ مَجَالِس أصحابِ نبيّنا محمّد ﷺ ومن تبعهم بإحسان، فما هو حالُ مجالِسِنا نحنُ اليوم؟، كم فيها من الدّين، وكم فيها من الدُّنيا؟!، كم في مجالسنا من الطّاعة، وكم فيها من العِصيان؟!. لعلّ الواقعَ هو خير من يجيبُ على كلّ ذلك.**
**إنّ ما يحدُثٌ في مجالسنا هو من أعظم أسباب الغفلة، وقد حذّر نبيّنا أشدّ التّحذيرِ من الغفلة، سيما ونحن في هذا الشهر المبارك، شهر شعبان الذي دخل علينا اليوم، شهرٌ قال في شأنه نبيّنا: "شَهْرُ شَعْبَانَ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرْفَعَ أَعْمَالِي فِيهِ إِلَى اللهِ وَأَنَا صَائِمٌ". [الترمذي والنسائي]**
**فإذا كنّا في غفلة فيما مضى، فلا ينبغي أن تستمرّ بنا هذه الغفلة ونحن في هذا الشهر المُبارك، فلنعمرَ أوقاتَهُ التي يغفلُ عنها الكثيرُ بطاعَةِ الله قدْر استطاعتنا؛ فما شهرُ شعبانَ إلّا دورةٌ تأْهِيليَّةٌ لرمضان، فلنحسن استغلاله. لنحافظ فيه على الصّيام كما كان يفعل نبيُّنا -صلّى الله عليه وسلّم-، أقلّ شيء هو أن نصوم الاثنين والخميس والأيَّام البيض منه، ولنحافظ فيه على صلاة الجماعة في المسجد، ولنداوم فيه على قراءة القرآن، فهو شهرُ القُرّاء، ولنعوِّد فيه أنفسَنا على الصّدقة والإحسان وحفظ اللّسان ومراقبة البصر، ولنتجنّب فيه مجالسَ الغَفلةِ قدرَ الإِمكَان.**
الدعاء
اللّهمّ اجعل مجالسنا عامرة بذكرك، اللهم ارزقنا صحبة الأخيار، وباعد بيننا وبين الأشرار، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدّين والدنيا والآخرة، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، أصلح لنا نيّاتنا وذرّيّاتنا يا ربّ العالمين، هب لنا من أزواجنا وذرّيّاتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إماما، اللهم كن لنا ولا تكن علينا، اللّهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا. ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار.