في تصنيف خطب الجمعة مكتوبة بواسطة (8.4ألف نقاط)

خطبة مكتوبة عن مظاهر عناية الإسلام الطفولة ملتقى الخطباء

خطبة مقترحة (عن مظاهر عناية الإسلام بالطفولة)

الحمد لله الذي جعل الذرية قرة أعين، وزينة الحياة الدنيا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان وعلمه البيان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم تُحشرون إلى الله، ويُسأل كل راعٍ عن رعيته، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

أيها المؤمنون:

حديثنا اليوم عن كنز الأمة، وأمل المستقبل، وعماد الغد: "الطفل في الإسلام"، لكننا نتحدث عن عنايةٍ شاملةٍ متكاملةٍ، بدأت قبل ميلاده، وتستمر بعد وفاته، في منظومة ربانيةٍ فريدةٍ، لا نجد لها نظيراً في شرعٍ ولا قانون.

المحور الأول: نظرة الإسلام الجذرية للطفل: قيمة لا ثمن لها

لم ينظر الإسلام إلى الطفل على أنه "تكلفة مادية" أو "همّ مؤقت"، بل نظر إليه كـ "أمانة إلهية" و"استخلاف مستقبلي"، قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (متفق عليه). فالطفل هنا صفحة بيضاء، والوالدان هما من يخطان عليها.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وإن عُوِّد الشر وأُهمل شقي وهلك".

المحور الثاني: العناية قبل الوجود: اختيار الأصل الصالح

لقد سبق الإسلام كل النظريات الحديثة في الوراثة والبيئة، فأمر باختيار الزوجة الصالحة ذات الدين، والزوج الصالح، قبل التفكير في الإنجاب. قال صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (متفق عليه). وقال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" (الترمذي).

بل إن الإسلام ربط بين صلاح الوالدين وصلاح الذرية في دعوات الأنبياء، كما في قول زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38]. "طيِّبة": في أصلها، وفي خلقها، وفي رزقها.

المحور الثالث: العناية في فترة الحمل: حقوق الجنين الشرعية

وهنا تتجلى العظمة:

· حرمة إسقاط الجنين منذ أن تستقر النطفة في الرحم، إلا لضرورة طبية قصوى. وقد فقه السلف أن له دية كاملة إذا أُسقط ميتاً بعد أربعة أشهر، حيث تنفخ فيه الروح، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

· تخفيف التكاليف عن الحامل في رمضان والإطعام عنها إذا خافت على نفسها أو على جنينها.

· وجوب النفقة على الزوجة الحامل حتى بعد الطلاق، قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. فهي أول ضمان اجتماعي للحمل في التاريخ!

المحور الرابع: العناية عند الولادة: طقوس تحفيزية وتربوية

ما إن يبصر الطفل النور حتى تحفه الشريعة بسلسلة من الشعائر العظيمة:

1. التهليل في أذنه: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن بن علي، ليكون أول ما يقرع سمعه كلمة التوحيد.

2. التحنيك: وهو مضغ تمرة ووضعها في فم المولود، وهي سنة عملية لتنشيط الجهاز الهضمي، وسبق علمي رائع.

3. العقيقة: ذبح شاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى، وهي تعبير عن الشكر، وتوثيق للعلاقة الأسرية والمجتمعية، يقول صلى الله عليه وسلم: "كل غلام مرتهن بعقيقته" (الترمذي).

4. حلق الرأس والتصدق بوزنه: تطهيراً له، وإحساناً للفقراء، وإشراكاً للمجتمع في الفرحة.

5.التسمية الحسنة: فمن حق الطفل أن يختار له أبوه اسماً جميلاً يحمله بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم" (أبو داود). وكان عمر رضي الله عنه يقول: "أول برِّك لولدك أن تحسن اسمه".

المحور الخامس: الحقوق المالية المتكاملة للطفل

لقد سبق الإسلام كل المواثيق الدولية في ضمان حقوق الطفل المالية:

· حق النفقة: فهي واجبة على الأب حتى بلوغ الولد، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].

· حق الميراث: فله نصيب مفروض في كتاب الله، لا يجوز لأحد انتهاكه، {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء: 7].

· حرمة أكل ماله: بتجارة أو هبة أو وصية إلا بالمعروف وللمصلحة، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34].

· حق الولد في مال أبيه: حتى وهو في صحته، كان سلفنا الصالح يعدون الإنفاق على الأولاد من أفضل القربات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أدَّم أولادك وأهلك، فإنما هم عيالك".

المحور السادس: الحقوق التربوية والنفسية: بناء الإنسان

وهذا هو لب العناية وجوهرها:

· حسن الخلق والرفق: كان صلى الله عليه وسلم يلاعب الأطفال ويداعبهم. يدخل عليه الحسن والحسين وهو يخطب فيؤخرهما، ويحملهما على ظهره وهو ساجد.

· العدل بين الأولاد: حتى في القُبَل، قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي فضل أحد أولاده بالعطية: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟" قال: نعم، قال: "فلا إذاً" (مسلم). وكانت هذه كلمة جامعة مانعة.

· التعليم: وليس المقصد تعليم القراءة والكتابة فحسب، بل تعليم "الدين" أولاً. قال صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (أبو داود).

· التأديب بلا إهانة: فالتأديب للصلاح لا للإذلال. قال صلى الله عليه وسلم: "علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وقراءة القرآن".

· التربية على الشجاعة والمسؤولية: كان الصحابة يصحبون أبناءهم الصغار إلى المجالس العامة والمعارك ليتعلموا الشجاعة والمسؤولية.

المحور السابع: الحماية الاجتماعية: درعٌ للمجتمع

· رعاية اليتيم: التي وصلت في الإسلام إلى مستوى لم تعرفه البشرية، جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يشير بأصبعيه: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" (البخاري). بل جعل جزاء من يكفله الجنة!

· تحريم وأد البنات: وقضى على تلك العادة الجاهلية البشعة، وجعلها من أكبر الكبائر، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8-9]. وأبدلها بتربية البنات والإحسان إليهن، وجعلها باباً إلى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: "من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين" وضم أصابعه (مسلم).

· حق الطفل في النسب الثابت: فحرم الزنا وأوصد كل الأبواب المؤدية إليه، حفظاً للأعراض والأنساب.

المحور الثامن: الطفل في مواجهة الشدائد: تشريعات رحيمة

· في الطلاق: جعل العدة لمعرفة براءة الرحم، وحفظ حقوق الجنين، وألزم الأب بالنفقة حتى بعد الطلاق.

· في الموت: للطفل الحق في الميراث، وله الحق في أن يُصلى عليه إذا بلغ أربعة أشهر في بطن أمه، كما قال الفقهاء.

عباد الله:

هذه لمحات من مشروع إسلامي حضاري متكامل لرعاية الطفل. فهو ليس شعارات نرفعها، بل هو "منهج حياة"، و"مسؤولية دينية"، و"استثمار أخروي".

أين نحن – معشر الآباء والأمهات – من هذه الصورة المشرقة؟

أين نحن من العدل بين الأولاد؟

أين نحن من تربيتهم على الصلاة وحفظ القرآن؟

أين نحن من إشاعة المحبة والرفق في بيوتنا،بدل الصراخ والعنف؟

لقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلمة جامعة: "ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره... فليعتني وليحذر غاية الاعتناء في تأديبه".

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأبناء "غِراس"، فإن أحسنت غرسهم، استظللت بظلهم يوم القيامة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين.

(الخطبة الثانية)

الحمد لله على إفضاله، والشكر له على إحساله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد، فاتقوا الله تعالى وأحسنوا كما أحسن الله إليكم.

أيها الآباء، أيها الأمهات:

أنتم المسؤولون أولاً وأخيراً عن هذه الأمانة، {كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} (متفق عليه).

اللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا الحكمة في تربية أولادنا.

اللهم اجعل أولادنا قرّة أعين لنا،وأعذهم من فتنة الدنيا وفتنة القبر وفتنة النار.

اللهم أصلح ذرياتنا،واهدهم سواء السبيل.

اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين.

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 

دعوة في ظهر الغيب

يتبع في الأسفل 

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.

1 إجابة واحدة

0 معجب 0 شخص غير معجب
بواسطة (8.4ألف نقاط)
 
أفضل إجابة
خطبة الجمعة بعنوان (هذا رسول الله ﷺ في رحمته بالأطفال)

الخطبة الاولى

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا . يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا"، وبعد،

فقد كان النبي -ﷺ- أرأف وأرحم الناس بأهله وأزواجه وبناته خاصة، وبأطفال المسلمين عامة، وقد حفلت السيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- على الكثير والكثير من الأمثلة الدالة على ذلك، ومنها:

* كان النبي -ﷺ- عندما تأتي فاطمة -رضي الله عنها- إليه يقبّلها ويُجلسها في مكانه،

٢- وقد كان من عادته صلوات الله عليه أن يبيت في بيت ابنته فاطمة حينًا بعد حين، ويتولى خدمة أطفالها بنفسه وأبواهم قاعدان.

 ففي إحدى الليالي سمع الحسن يستسقي -يطلب ماءً للشرب-؛ فقام صلوات الله عليه إلى قربة فجعل يعصرها في القدح فمد الحسين يده ليتناول الماء، فنحاه عنه -أبعده- وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة: كأنه أحب إليك؟ فقال ﷺ: إنما استسقى أولاً. أي هو من طلب الشرب أولًا. [أخرجه الطيالسي في مسنده، وصححه الألباني برقم (٣٣١٩) في الصحيحة].

٣- وكان يصلى ذات يوم فأطال فى السجود حتى ظن الصحابة أنه قد قُبض، فعن عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه, قال: «خرج علينا النبي ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه, ثم كبَّر للصلاة, فصلى فسجد سجدة أطالها, فرفعت رأسي, وإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي...فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة, قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك, قال: (كلُّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني, فكرهت أن أُعجله حتى يقضى حاجته)» [أخرجه النسائي, وصححه الألباني برقم ( ١٠٩٣) في صحيح النسائي]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كُنّا نُصلى مع رسول الله ﷺ العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والُحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه، أخذهما بيده من خلفه أخذاً رقيقاً، فيضعهما على الأرض، فإذا عادا عاد، حتى قضى صلاته، أقعدهما على فخذيه». [أخرجه أحمد]  

٤- و«كان النبي ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما، أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى صلاته، وضعهما في حجره، وقال: (من أحبني فليحب هذين» [أخرجه أبو يعلي، وصححه الألباني برقم (312) في الصحيحة]

٥- وكان يخطب ﷺ ذات مرة فجاء الحسن والحسين يتعثران فى مرطيهما ثوب طويل فنزل من على المنبر وقطع خطبته وأخذهما وصعد بهما المنبر. فانظر إلى رحمته وشفقته بالصغار والأطفال والأمهات

٦- وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير (رضي الله عنهما) قال: أشبه أهل النبي ﷺ وأحبهم إليه الحسن بن علي، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال ظهره - فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.

وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ يدلع لسانه -أي يخرجه- للحسن بن علي، فإذا رأي الصبي حمرة اللسان يهش إليه، أي يسر، وتنبسط أساريره.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ ليُدلع لسانه للحسن بن علي، فيري الصبي حمرة لسانه، فيبهش إليه» [صححه الألباني برقم (٧٠) في السلسلة الصحيحة]

وعن يعلى بن مرة رضي الله عنه، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى طعام دعوا له، فإذا حسين يلعب بالسكة، فتقدم النبي ﷺ أمام القوم، وبسط يديه، فجعل الغلام يفر هاهنا، وهاهنا، ويضاحكه النبي ﷺ حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى في فأس رأسه، فقبَّله» [أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني برقم(١١٨) في صحيح ابن ماجه]

وعن أسامة رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه ويُقعدُ الحسن بن علي على فخذه الآخر» [أخرجه البخاري]

٧- ولقد كان رسول الله ﷺ يلعب مع الأطفال، ويمازحهم، وكان يصفُّ عبد الله وعبيد الله وغيرهما من أبناء عمه العباس، كما فى صحيح مسلم، ويقول: من سبق إلىّ فله كذا فيستبقون إليه، فيقعدون على صدره فيقبلهم ويلتزمهم.

ثانيًا: كان النبي ﷺ رحيمًا بالصغار،

١- إذا رأى ولده إبراهيم، يأخذه فيقبله ويشمه، كما روى ذلك الإمام البخاري.، وكان ظئر إبراهيم ابن النبي ﷺ (أي زوج مرضعته) قينًا (أي حدادًا) وكان عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يذهب لزيارة ولده إبراهيم.

  روى البخاري في باب قول النبي ﷺ أنا بك لمحزونون عن أنس بن مالك قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين -وكان ظئرا لإبراهيم- ، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : وأنت يا رسول الله؟ فقال : «يا بن عوف إنها رحمة»، ثم اتبعها بأخرى، فقال ﷺ: «أن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" .

٢- ومن رحمة النبيّ ﷺ بالأطفال أنّه كان كالأب الحاني عليهم؛ فيُقبّلهم، ويُلاعبهم، ويضمّهم، وقد ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ رجالاً جاءوا على رسول الله -ﷺ- وهو يقبّل حفيده الحسن -رضي الله عنه-، فقالوا: (أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقالوا: نَعَمْ، فَقالوا: لَكِنَّا والله ما نُقَبِّلُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ -ﷺ-: وَأَمْلِكُ إنْ كانَ الله نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ). [مسلم]

وهذا الرجل هو الأقرع بن حابس كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: (مَنْ لا يرحم لا يُرحَم) [البخاري].
يتبع في الأسفل
بواسطة (8.4ألف نقاط)
وهذا الرجل هو الأقرع بن حابس كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: (مَنْ لا يرحم لا يُرحَم) [البخاري].

كم من الآباء يعبس كل يوم في وجه بنيه؟ كم من الآباء يتغير وجهه حين يصعد صغيره على ظهره؟ بل كم من الآباء يدخل بيته عابسًا مكفهر الوجه، يقضي ساعات وجوده في بيته بعيدًا عن أطفاله، لا يريد أن يسمع صوت لعبهم، لا يشاركهم لحظات سعادتهم في طفولتهم؟ مسكين ذلك الأب! لم ينهل من فيض رحمة رسوله الرحيم؛ ليتعلم ويفيض بالحنوِّ على أطفاله وأطفال غيره!

٣- ومن شدّة رحمة الرسول ﷺ بالأطفال أنه إذا كان يُصلّي بالناس جماعةً وسمع بكاءَ طفلٍ؛ أسرع في الصلاة وخفّف منها، فكان -ﷺ- يؤثرهم على نفسه وعلى طاعته، فيقول ﷺ: "إنى لأقوم إلى الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبى فأتجوّز فى صلاتى كراهية أن أشق على أمه" أى أخفف فى صلاتى لشفقة أمه عليه

٤- ومن مظاهر رحمته -ﷺ- بالأطفال أنه كان يصلى وهو يحمل على عنقه أو عاتقه أو كتفه "أمامه بن العاص بن الربيع" بنت زينب ابنته، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. فكان -عليه الصلاة والسلام- يحمل الصّغار وهو يُصلّي، فإذا سجد يضعهم على الأرض، وإذا قام حمَلهم، كما فعل مع حفيدته أُمامة بنت زينب -رضي الله عنها-، وكان يصبر على أذاهم، ويبكي ويحزن لموتهم. فعن البراء رضي الله عنه, قال: «رأيت النبي ﷺ والحسين بن علي على عاتقه». [أخرجه الطبراني, وصححه الألباني برقم ( ٢٧٨٩) في الصحيحة]

٥- وكان يُلاعب زينب بنت أم سلمة ويُدللها وهو يقول: "يا زوينب يا زوينب" فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يُلاعبُ زينب بنت سلمة وهو يقول: (يا زُوينب! يا زوينب) مرارًا» [صححه الألباني في الصحيحة برقم (٢١٤١) وقال: رواه الضياء في المختارة]  وكان يسأل عنها إذا دخل

وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها» [متفق عليه]

٦- بل إنه كان -ﷺ-يحمل الأطفال ويُجلسهم على حجره ويداعبهم؛ ففى البخارى فى الأدب المفرد عن يوسف بن عبد الله بن سلام -رضى الله عنهما- قال: سمّانى رسول الله -ﷺ- يوسف، وأقعدنى على حجره ومسح على رأسى.

٧- وقد يأتى الطفل مع والده فيحمله النبى -ﷺ- ويلعب الطفل فى جسم النبى -ﷺ- فلا يغضب، ففى الصحيحين عن أم خالد بنت خالد بن سعيد الأموية قالت: أتيتُ رسول الله ﷺ مع أبى وعلىّ قميصٌ أصفر فقال رسول الله -ﷺ-: "سَنَهْ سَنَهْ" أى حسنة بالحبشية، فذهبتُ ألعبُ بخاتم النبوة فنهرنى أبى فقال رسول الله ﷺ: دعها ثم قال لى: "أبلى وأخلقى ثم أبلى وأخلقى"  وهو دعاءٌ لمن لبس أو اشترى ثوبًا جديدًا             

ثالثًا: ولقد كان النبى -ﷺ- حريصًا على تربية وتنشيئة الطفل على الخلق القويم والسلوك الحميد، وعدم التهاون أمامه فى صغائر الأمور، حتى ولو كانت على سبيل المزاح، فعن عبد الله بن عامر قال: دعتنى أمى ذات يوم ورسول الله -ﷺ- عندنا، فقالت: هاك أعطيك

فقال الرسول -ﷺ-: ما أردت أن تعطيه؟

فقالت: أردتُ أن أعطيه تمره.

قال النبى ﷺ: أما لو لم تعطه لكُتبت عليك كذبة.

فهنا نجد أن النبى ﷺ يريد أن ينشأ الطفل على الصدق فى حياته وعدم التهاون فى الكذب حتى ولو كان مازحًا.

* شرب الرسول -ﷺ- مرةً، ثمّ أراد أن يعطي من حوله من ذلك الشراب حتى يشربوا، فكان على يمينه غلام صغير، وعلى يساره أشياخ كبار، فقال الرسول -عليه السلام- للغلام: (أتأذنْ لي أن أعطيَ هؤلاء؟ فقال الغلامُ: لا واللهِ لا أُوثرُ بنصيبي منكَ أحدًا، قال: فتَلَّه رسولُ اللهِ ﷺ في يدِه). رواه مسلم عن سهل بن سعد الساعدي: ٢٠٣٠  

رابعًا: وكان ﷺ شديد الرحمة والشفقة بالصغار، بحسن معاشرتهم، ويحملهم ، ويضعهم في حجره، ويقبلهم، ويعانقهم، ويمسح على رؤوسهم، وينهى عن قتل الأولاد في الحرب، فهم أطفال أبرياء لا يؤخذون ولا يؤاخذون بجريرة آبائهم المناوئين للهداية الربانية،

 وروى البخاري في باب قتل الصبيان في الحرب عن ابن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان. وفي رواية: فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء و الصبيان"

- وكان ﷺ حريصًا على إسلام الغلام اليهودي الذي كان يخدمه -كما في البخاري وغيره- أنه كان غلامٌ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده ويزوره فقعد عند رأسه، فقال النبي ﷺ له: أسلم، فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده، فقال له -الأب-: أطع أبا القاسم، فأسلم الغلام، فخرج النبي -ﷺ- وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"

- ولقد كان ﷺ يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم بل ويداعبهم أحيانا، فهذا صبى كان معه طائر يلهو به فمات هذا الطائر فحزن عليه الصبى فكان النبى ﷺ يداعبه ويقول: يا عُمير ما فعل النُّغير.           

 - عيادة الطفل عند مرضه

وشرع لنا رسول الله ﷺ عيادة الصبي المريض، وكان يمسح بيد البركة والرحمة والحنان على رأس الطفل المريض ويدعو له، وفي باب عيادة الصبيان روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن ابنة للنبي ﷺ أرسلت إليه . . . فرفع الصبي في حجر النبي ﷺ ونفسه تقعقع، ففاضت عينا النبي ﷺ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال : «هذه الرحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء"

وفي باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له روى عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول أن ابن أختي وجع. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوءه

أيها الإخوة المؤمنين: إن الدنيا عرَضٌ حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة لوعد صادقٌ يحكم فيها ملك عادل، فطوبى لعبدٍ عمِل لآخرته وحبله ممدود على غاربه، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فتوبوا إلى الله واستغفروه وادعوه وأنتم موقونون بالإجابة.

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط، ومعترك الأمواج حتى وصل بها إلى شاطئ السلامة، ومرفأ الأمان، فاللهم صل وسلم وزد بارك عليك سيدي يا رسول الله وآلك وصحبك قادة الحق، وسادة الخلق إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وبعد

خامسًا: يأمرنا النبي ﷺ بأن لا نظهر عيوب الطفل وأن نعينه على تحسين سلوكه وتصرفاته.

فمن الأسس الأولي الهامة لمن يريد أن يتعلم كيفية تربية الأطفال أن يبتعد عن تصيد الأخطاء واللوم والنقد لأن القاعدة الأولي أنك مربي ولست جلاد أو قاضي بل أنت هنا لمساعدة الطفل وهذا دورك.

١* فلم يعاتب النبي ﷺ خادم ولا طفل قط ولم يكن يبوخ أو يأنب على التصرفات.

فلقدم خدم أنس رضي الله عنه النبي عشر سنين متوالية ووصف تربية الرسول ﷺ قَالَ: "فَخَدَمْتُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَوَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟!) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

سادسًا: أما عن ممازحة النبي ﷺ للأطفال ومداعبته لهم فقد روى البخاري عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي ﷺ مجّة مجّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو. أي أن النبي ﷺ ملأ فمه ماء دلو ثم أفرغه في وجه الطفل الصغير محمود بن الربيع من باب المزاح والمداعبة.

وعن أنس قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، وكان إذا جاء قال : «يا أباعمير، ما فعل النغير؟   

** ومما رتب النبي ﷺ من الفضل لمن يعول طفلا يتيمًا أنه جعله معه في الجنة، فقد روى البخاري في باب فضل من يعول يتيما عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال : «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وقال بأصبعيه السبابة والوسطى). أي قرنهما وأشار بهما.  

وعن عائشة قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسّمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته، فقال: «من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار». البخاري

- وبناءً على ما سبق، يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية اهتمت بالطفل اهتمامًا كبيرًا،

وفي الختام، فإن التوعية بحقوق الطفل هي مسؤولية جميع أفراد المجتمع ومؤسساته؛ كالمسجد عن طريق الخطب، والمدرسة من خلال تضمين حقوق الطفل في المناهج الدراسية، والإعلام بما يقدمه من برامج تلفزيونية.

فمحمد الفاتح وهو صغير كانت أُمُّهُ تأخذهُ وقت الفجر؛ ليشاهد أسوار القسطنطينية وتقول له: أنت يا محمد من سيفتح هذه الأسوار لأن اسمك محمد كما قال رسول الله ﷺ، عندما خيَّم موكب السلطان مراد الثاني في أحد أسفارهم بالقرب من القسطنطينية

وصـلاح الدّين الأيوبي عندما كان صغيرًا، شاهده أباه يلعب مع الصبية فأخذه من وسط الأطفال ورفعه عاليًا بيديه -وكان أباه رجل طويل القامة- وقال له: "ما تزوجت أمك وما أنجبتك لكي تلعب مع الصبية، ولكن تزوجت أمك وأنجبتك لكي تحرّر المَسجـد الأقصى" وتركه من يده فسقط الطفل على الأرض.

 فنظر الأب إلى الطفل فرأى الألم على وجهه فقال له: آلمتك السقطة؟ قال صلاح الدين: آلمتني!

قال له أباه: لِمَ لم تصرخ؟  قال له: ما كان لـ مُحــرّر الأقصى أن يصرخ.

فلا تتركوا أطفالكم فريسة الواقع الفاسد الذي نعيشه

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى منبر الجواب، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...