خطبة مكتوبة عن مظاهر عناية الإسلام الطفولة ملتقى الخطباء
خطبة مقترحة (عن مظاهر عناية الإسلام بالطفولة)
الحمد لله الذي جعل الذرية قرة أعين، وزينة الحياة الدنيا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان وعلمه البيان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائل: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم تُحشرون إلى الله، ويُسأل كل راعٍ عن رعيته، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
أيها المؤمنون:
حديثنا اليوم عن كنز الأمة، وأمل المستقبل، وعماد الغد: "الطفل في الإسلام"، لكننا نتحدث عن عنايةٍ شاملةٍ متكاملةٍ، بدأت قبل ميلاده، وتستمر بعد وفاته، في منظومة ربانيةٍ فريدةٍ، لا نجد لها نظيراً في شرعٍ ولا قانون.
المحور الأول: نظرة الإسلام الجذرية للطفل: قيمة لا ثمن لها
لم ينظر الإسلام إلى الطفل على أنه "تكلفة مادية" أو "همّ مؤقت"، بل نظر إليه كـ "أمانة إلهية" و"استخلاف مستقبلي"، قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (متفق عليه). فالطفل هنا صفحة بيضاء، والوالدان هما من يخطان عليها.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه، وإن عُوِّد الشر وأُهمل شقي وهلك".
المحور الثاني: العناية قبل الوجود: اختيار الأصل الصالح
لقد سبق الإسلام كل النظريات الحديثة في الوراثة والبيئة، فأمر باختيار الزوجة الصالحة ذات الدين، والزوج الصالح، قبل التفكير في الإنجاب. قال صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (متفق عليه). وقال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" (الترمذي).
بل إن الإسلام ربط بين صلاح الوالدين وصلاح الذرية في دعوات الأنبياء، كما في قول زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38]. "طيِّبة": في أصلها، وفي خلقها، وفي رزقها.
المحور الثالث: العناية في فترة الحمل: حقوق الجنين الشرعية
وهنا تتجلى العظمة:
· حرمة إسقاط الجنين منذ أن تستقر النطفة في الرحم، إلا لضرورة طبية قصوى. وقد فقه السلف أن له دية كاملة إذا أُسقط ميتاً بعد أربعة أشهر، حيث تنفخ فيه الروح، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
· تخفيف التكاليف عن الحامل في رمضان والإطعام عنها إذا خافت على نفسها أو على جنينها.
· وجوب النفقة على الزوجة الحامل حتى بعد الطلاق، قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6]. فهي أول ضمان اجتماعي للحمل في التاريخ!
المحور الرابع: العناية عند الولادة: طقوس تحفيزية وتربوية
ما إن يبصر الطفل النور حتى تحفه الشريعة بسلسلة من الشعائر العظيمة:
1. التهليل في أذنه: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن بن علي، ليكون أول ما يقرع سمعه كلمة التوحيد.
2. التحنيك: وهو مضغ تمرة ووضعها في فم المولود، وهي سنة عملية لتنشيط الجهاز الهضمي، وسبق علمي رائع.
3. العقيقة: ذبح شاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى، وهي تعبير عن الشكر، وتوثيق للعلاقة الأسرية والمجتمعية، يقول صلى الله عليه وسلم: "كل غلام مرتهن بعقيقته" (الترمذي).
4. حلق الرأس والتصدق بوزنه: تطهيراً له، وإحساناً للفقراء، وإشراكاً للمجتمع في الفرحة.
5.التسمية الحسنة: فمن حق الطفل أن يختار له أبوه اسماً جميلاً يحمله بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم" (أبو داود). وكان عمر رضي الله عنه يقول: "أول برِّك لولدك أن تحسن اسمه".
المحور الخامس: الحقوق المالية المتكاملة للطفل
لقد سبق الإسلام كل المواثيق الدولية في ضمان حقوق الطفل المالية:
· حق النفقة: فهي واجبة على الأب حتى بلوغ الولد، قال تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].
· حق الميراث: فله نصيب مفروض في كتاب الله، لا يجوز لأحد انتهاكه، {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء: 7].
· حرمة أكل ماله: بتجارة أو هبة أو وصية إلا بالمعروف وللمصلحة، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34].
· حق الولد في مال أبيه: حتى وهو في صحته، كان سلفنا الصالح يعدون الإنفاق على الأولاد من أفضل القربات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أدَّم أولادك وأهلك، فإنما هم عيالك".
المحور السادس: الحقوق التربوية والنفسية: بناء الإنسان
وهذا هو لب العناية وجوهرها:
· حسن الخلق والرفق: كان صلى الله عليه وسلم يلاعب الأطفال ويداعبهم. يدخل عليه الحسن والحسين وهو يخطب فيؤخرهما، ويحملهما على ظهره وهو ساجد.
· العدل بين الأولاد: حتى في القُبَل، قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي فضل أحد أولاده بالعطية: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟" قال: نعم، قال: "فلا إذاً" (مسلم). وكانت هذه كلمة جامعة مانعة.
· التعليم: وليس المقصد تعليم القراءة والكتابة فحسب، بل تعليم "الدين" أولاً. قال صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (أبو داود).
· التأديب بلا إهانة: فالتأديب للصلاح لا للإذلال. قال صلى الله عليه وسلم: "علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وقراءة القرآن".
· التربية على الشجاعة والمسؤولية: كان الصحابة يصحبون أبناءهم الصغار إلى المجالس العامة والمعارك ليتعلموا الشجاعة والمسؤولية.
المحور السابع: الحماية الاجتماعية: درعٌ للمجتمع
· رعاية اليتيم: التي وصلت في الإسلام إلى مستوى لم تعرفه البشرية، جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يشير بأصبعيه: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" (البخاري). بل جعل جزاء من يكفله الجنة!
· تحريم وأد البنات: وقضى على تلك العادة الجاهلية البشعة، وجعلها من أكبر الكبائر، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8-9]. وأبدلها بتربية البنات والإحسان إليهن، وجعلها باباً إلى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: "من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين" وضم أصابعه (مسلم).
· حق الطفل في النسب الثابت: فحرم الزنا وأوصد كل الأبواب المؤدية إليه، حفظاً للأعراض والأنساب.
المحور الثامن: الطفل في مواجهة الشدائد: تشريعات رحيمة
· في الطلاق: جعل العدة لمعرفة براءة الرحم، وحفظ حقوق الجنين، وألزم الأب بالنفقة حتى بعد الطلاق.
· في الموت: للطفل الحق في الميراث، وله الحق في أن يُصلى عليه إذا بلغ أربعة أشهر في بطن أمه، كما قال الفقهاء.
عباد الله:
هذه لمحات من مشروع إسلامي حضاري متكامل لرعاية الطفل. فهو ليس شعارات نرفعها، بل هو "منهج حياة"، و"مسؤولية دينية"، و"استثمار أخروي".
أين نحن – معشر الآباء والأمهات – من هذه الصورة المشرقة؟
أين نحن من العدل بين الأولاد؟
أين نحن من تربيتهم على الصلاة وحفظ القرآن؟
أين نحن من إشاعة المحبة والرفق في بيوتنا،بدل الصراخ والعنف؟
لقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله كلمة جامعة: "ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره... فليعتني وليحذر غاية الاعتناء في تأديبه".
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الأبناء "غِراس"، فإن أحسنت غرسهم، استظللت بظلهم يوم القيامة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين.
(الخطبة الثانية)
الحمد لله على إفضاله، والشكر له على إحساله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد، فاتقوا الله تعالى وأحسنوا كما أحسن الله إليكم.
أيها الآباء، أيها الأمهات:
أنتم المسؤولون أولاً وأخيراً عن هذه الأمانة، {كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ} (متفق عليه).
اللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا الحكمة في تربية أولادنا.
اللهم اجعل أولادنا قرّة أعين لنا،وأعذهم من فتنة الدنيا وفتنة القبر وفتنة النار.
اللهم أصلح ذرياتنا،واهدهم سواء السبيل.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين.
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
دعوة في ظهر الغيب
يتبع في الأسفل