خطبة مكتوبة بعنوان ولكم في رسول الله أسوة حسنة
يتبع
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ سِيرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلْقُرْآنِ. كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ. كَانَ الْقُرْآنُ يَنْهَارُ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ هُوَ يَبْنِيهِ فِي الْأَرْضِ وَاقِعًا مَعَاشًا.
وَلَقَدْ فَهِمَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ مَعْنَى الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ، فَجَعَلُوهَا نِبْرَاسَ حَيَاتِهِمْ:
· قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي".
· وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ".
· وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ: "مَنْ رَدَّ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ".
· وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "السُّنَّةُ هِيَ الْإِسْلَامُ، فَمَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ فَقَدْ تَرَكَ الْإِسْلَامَ".
· وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فُرُوعًا وَثَمَرًا، كَمَا أَنَّ لِلشَّجَرَةِ فُرُوعًا وَثَمَرًا، فَإِذَا ذَهَبَتْ فُرُوعُ الْإِيمَانِ ذَهَبَ بَعْضُ الثَّمَرِ، وَإِذَا ذَهَبَتِ السُّنَّةُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ".
· وَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: "كُلُّ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ".
· وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الْفَوَائِدِ": "هَدْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَنْظُرْ فِي قَوْلِ اللَّهِ، وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ فَلْيَنْظُرْ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ".
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ:
وَالْآنَ نَصِلُ إِلَى سُؤَالٍ مَصِيرِيٍّ: لِمَاذَا نَتَخَلَّفُ عَنِ الِاقْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
1. الْجَهْلُ بِسُنَّتِهِ: كَثِيرٌ مِنَّا لَا يَعْرِفُ سُنَّتَهُ إِلَّا الْقَلِيلَ.
2. الْهَوَى: نَتَّبِعُ أَهْوَاءَنَا ثُمَّ نَبْحَثُ عَمَّا يُوَافِقُهَا مِنَ السُّنَّةِ!
3. التَّقْلِيدُ الْأَعْمَى: نَتَّبِعُ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدَ الْمُخَالِفَةَ لِلسُّنَّةِ.
4. حُبُّ الدُّنْيَا: نَتْرُكُ السُّنَّةَ لِأَنَّهَا قَدْ تُعِيقُ بَعْضَ مَصَالِحِنَا الدُّنْيَوِيَّةَ.
5. الِاسْتِهَانَةُ: نَسْتَصْغِرُ شَأْنَ السُّنَنِ، وَنَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ، لَيْسَتْ فَرْضًا.
أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ فِي أُمُورِنَا الْيَوْمِيَّةِ؟
· فِي الصَّلَاةِ: هَلْ نُصَلِّي كَمَا كَانَ يُصَلِّي؟
· فِي الصِّدْقِ: هَلْ نَصْدُقُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْوُعُودِ؟
· فِي الْأَمَانَةِ: هَلْ نَحَافِظُ عَلَى الْأَمَانَاتِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ؟
· فِي الرَّحْمَةِ: هَلْ نَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَنُوَقِّرُ الْكَبِيرَ؟
· فِي التَّوَاضُعِ: هَلْ نَتَذَلَّلُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَخْفِضُ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَنِ؟
· فِي الْجِدِّيَّةِ: هَلْ نَعْمَلُ بِإِتْقَانٍ كَمَا كَانَ يَعْمَلُ؟
· فِي الْوَقْتِ: هَلْ نُحَافِظُ عَلَى أَوْقَاتِنَا كَمَا كَانَ يُحَافِظُ؟
· فِي الْعَلَاقَاتِ: هَلْ نَصِلُ أَرْحَامَنَا، وَنُجِيرُ الْجَارَ، وَنُكْرِمُ الضَّيْفَ؟
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ وَاقِعَنَا الْمُؤْلِمَ الْيَوْمَ - مِنَ التَّفَرُّقِ وَالضَّعْفِ وَالذُّلِّ - سَبَبُهُ الرَّئِيسِيُّ بُعْدُنَا عَنْ مَنْهَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آلِ عِمْرَانَ: 103]. وَقَالَ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 46].
إِنَّ الِاقْتِدَاءَ الْحَقِيقِيَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ لِلْخُرُوجِ مِنْ أَزْمَاتِنَا:
· أَزْمَةُ الْأَخْلَاقِ،
· أَزْمَةُ الثِّقَةِ،
· أَزْمَةُ الْهُوِيَّةِ،
· أَزْمَةُ الْقِيَادَةِ،
· أَزْمَةُ التَّرْبِيَةِ.
إِنَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى صَحْوَةِ اقْتِدَائِيَّةٍ تُعِيدُنَا إِلَى الْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
مَاذَا نَفْعَلُ لِنَكُونَ مِنَ الْمُقْتَدِينَ حَقًّا؟
1. الْمَعْرِفَةُ: دِرَاسَةُ سِيرَتِهِ وَسُنَّتِهِ بِجِدِّيَّةٍ.
2. الْمَحَبَّةُ: تَنْمِيَةُ مَحَبَّتِهِ فِي الْقَلْبِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ.
3. التَّطْبِيقُ: الْبِدَاءَةُ بِتَطْبِيقِ السُّنَنِ الْعَمَلِيَّةِ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ.
4. الدَّعْوَةُ: دَعْوَةُ الْآخَرِينَ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِأُسْلُوبٍ حَكِيمٍ.
5. الصَّبْرُ: الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى فِي طَرِيقِ الِاقْتِدَاءِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
لِنَكُنْ صَرْحَاءَ مَعَ أَنْفُسِنَا. إِنَّ كُلَّ مُشْكِلَةٍ نُعَانِيهَا لَهَا حَلٌّ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
· مَشَاكِلُ الْأُسْرَةِ → حُلُولُهَا فِي مُعَامَلَتِهِ لِأَهْلِهِ.
· مَشَاكِلُ الْعَمَلِ → حُلُولُهَا فِي إِتْقَانِهِ لِعَمَلِهِ.
· مَشَاكِلُ الْمُجْتَمَعِ → حُلُولُهَا فِي بِنَائِهِ لِلْمُجْتَمَعِ الْمَدَنِيِّ الْأَوَّلِ.
· مَشَاكِلُ النَّفْسِ → حُلُولُهَا فِي تَزْكِيَتِهِ لِنَفْسِهِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْ لَنَا خِيَارًا. قَالَ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي" [مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ]. وَقَالَ: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى". قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى" [الْبُخَارِيُّ].
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقَّ الِاقْتِدَاءِ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
اللَّهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا جَمِيعًا، وَاجْمَعْ قُلُوبَنَا عَلَى الْهُدَى وَالتَّقْوَى، وَوَحِّدْ صُفُوفَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّكَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.